تشكل مسرحية “راس روس” نقطة تحول هامة في تاريخ المسرح الفلسطيني بصفتها أول أول مونودراما مسرحية فلسطينية من الألف إلى الياء

تشكل مسرحية “راس روس” نقطة تحول هامة في تاريخ المسرح الفلسطيني بصفتها أول أول مونودراما مسرحية فلسطينية من الألف إلى الياء. يقول الترتير حول ظروف خلق مسرحية “راس روس”
سنة ١٩٧٩ بعد انجاز مسرحية تغريبة سعيد بن فضل الله بنشفان الريق، بعدها صرنا بصدد العمل على مسرحية جديدة للالتقاء ۳-٤ مرات في الأسبوع، وكان في معنا موافقة من بلدية رام الله لاستخدام المسرح البلدي واللي هو انجاز بحد ذاته ولكنه كان مسرح خام فارغ غير مكتمل. أعطونا المفاتيح، سهمدنا الأرض ولبدناها وعملنا خشبة مسرح ستيج. كان معي مفتاح القاعة، وأنا صرت انتظر فريق العمل عشان نعمل ۳-٤ بروفات في الأسبوع زي ما اتفقنا. صرت أروح أنتظرهم وما يجي حدا. أفتح وأسكر الباب وأروح محبط ومستاء إنو ما صار شغل وما عملنا بروفا. هذه الحالة أزعجتني وضايقتني كتير لأنه أنا مؤمن تماماَ انو ما في عوائق تعيق وتعطل العمل المسرحي اذا في وراه ناس. من هون نبعت فكرة إني بدي أعمل مسرحية حتى لو كانت بشخص واحد في هذا المكان مسرح البلدية لأنو احنا مش كل يوم ماخدين المفتاح ولأنو ما عنا مقر وعنوان ثابت

كل همي كان إني بدي اشتغل واعمل اشي في المسرح وما كنت على اطلاع على فنون المونودراما وما كنت قارئ أي نص ولا كنت شايف أي مسرحية بشخص واحد. ولا اشي. والفكرة بلشت إني ابحث عن الموضوع ولمعت براسي فكرة: عامل التنظيفات. الزبال زي ما بتسمى في معظم الأحيان بقوم بمهمة إنسانية رائعة وعظيمة وما حدا بحكيلوا شكراً. دايما مضطهد ومظلوم هذا الشخص، ودائم المعاناة، وفي أدنى السلم الاجتماعي. بدي أتناول حياته بتفاصيلها، وصرت أحلم وأنام وأقوم وأنا أفكر بالموضوع، وصرت أناقش أي حدا – يعني الطير الطاير – بالموضوع لإغناء الفكرة. صرت أتواجد في القاعة كل يوم ولسه طبعا الشباب ما بيجوا. صرت أوظف الأدوات والأغراض الموجودة في القاعة وبقايا الديكورات القديمة، وكنت أوظف هاي الأشياء شوي شوي وبلشت أبني بالفكرة وأطورها. أجّر العرباي بالطول والعرض، زبالة زبالة كل شي زبالة كان يصرخ وينادي. أحد أهم أسرار المونودراما: الفكرة الجنونية والخارجة عن المألوف

يكمل الترتير بإسهاب ويقول حول موضوع المسرحية وشكلها
في راس روس، الشخصية مضطهدة بشكل مزدوج. ولكن لم آخذ حياته اللحظية بعمله الحالي كزبال، ولم أمر فقط بيومياته، وإنما رجعت للي في داخله وفي تركيبته وفي شخصيته. ونتيجة لكل الكبت والحرمان والعزلة والفقر والقهر والمعاناة، كل هذه الاشياء دفعته إنو يصير زلمة متقوقع على حاله عايش في مكان صعب جدا، عتم، مليان رطوبة، وهذه المعاناة عملتوا متهم إنو مريض وغير سوي، وصار عايش بأوهامه، وصار يتخيل الرجوع للماضي ونشوف كل الصور اللي مرت في حياته ولكن بشروط جديدة. صار يتخيل انو بصير يعمل من الأوراق والكراتين ناس، وكل شخصية تعني له شيئا في حياته. أبوه: محتفظ في جثمان أبوه ومحنطه اللي أثر فيه وهذا الزبال طلع من المدرسة للمساعدة بدخل صغير. صاحب العمل الكبير (أبو كرش) كان يضطهده لما كان يشتغل الزبال في المصنع فاستحضره وصنعه وعمله. شخصية ثالثة: الشخص المنسلخ عن طبقته اللي ما بقبل بزوج بنته لأنه هو بسيط وزبال. شخصية رابعة: على المكنسة كان حطط صورة حبيبته وعمل اللعبة وصارت ترافقه بشكل دائم. شخصية خامسة: الجندي اللي كان يقمعه في الشارع ويضربه. شخصية سادسة: العامل (أبو علي) الاتكالي المؤمن بالغيبيات. شخصية سابعة: وحدة ارستقراطية تتهزئ على الزبال أبو ريحة طالعة.
مقابل كل هذه الشخوص كان الزبال يشتغل على بناء طفل، ويحمله الصفات المثالية اللي بتأمل إنها تحل المشاكل وتجيب ثورة وعدالة وانصاف ومساواة للكل. كان يصنع فيه حبة حبة شوية شوية. ايدين طويلة وقوية عشان يدافع عن نفسه، عينين وسيعة مفتحة تشوف كل شي بوضوح وجمال، دينين صغيرة فيها مصفاة تنقي يسمع الاشي المفيد والصحي ويوخد المبادئ العظيمة فقط، قلب كبير ينبض ويحس بالاشياء، مخ نقي وواعي ونظيف. يعني مع كل عضو يعطيه الصفات المثالية لتعويض كل الاضطهاد. اطلع اطلع اطلع، ضل يحكي، ولكن الطفل لم يتحرك في هذه الأثناء. صار صوت نبض الشارع يدخل على الخط، وكل واحد مطلوب منه يغير ويثور، والان العالم الكبير يخترق عالمه الصغير، ولكن الطفل لم يتحرك لأنه اسفنج وكرتون وورق. صوت الثورة يعلى يعلى يعلى. اطلع اطلع اطلع. صوت الشارع يطلع، والمكان عمه النور والاضاءة مع كل الصوت العارم، والزبال ينسحب وينهار على المسرح مع الطفل، ويكسر كل الدمى وتنتهي المسرحية بوجود الإضاءة الكبيرة مع صوت الشارع وصوت الانتفاضة، وبصحى وبقول التغيير الحقيقي بصير في الشارع كل واحد من وين هو وهي وشو بعملوا

راس روس كانت استثنائية بمقاييس كثيرة عما صاحب عرض الافتتاح، ويقول
خلال البروفات كانت تتطور الشخصيات، ومن خلال الارتجالات ينضج العمل. كان الشغل في نهاية ۱۹۷۹ واشتغلت لشهر حزيران عام ۱۹۸۰. بعد انجازي للعمل كان في موعد مع سرية رام الله لأقدم عرض الافتتاح. قبل الموعد انزنقت في الوقت. دمى غير تقليدية من اسفنج وبقايا الأشياء وأسلاك لتجسد بأحجام كبيرة كما البني آدم. أبو كرش كان كتير ضخم وصار الوقت يداهمني فحولت البيت لورشة كبيرة كبيرة مليانة اسفنج وقماش وخيطان وين مكان، ولما كنت اطلع من البيت وارجع كنت انقز واحس انو حدا عايش معاي. الشخوص والدمى بقوا معي لفترة طويلة. خليتهم في البيت عشان احافظ عليهم لأنه فش مخازن فكنت أنام بجنب الدمى. مع موعد عرض الافتتاح أخدنا خشبة مسرح متنقلة ونصبناها في ملعب الباسكت الكبير (ملعب مفتوح) ومساحة كبيرة جدا، وبنينا المسرح وبلشت اخد الشخوص وحدة وحدة من البيت وحملناهم على العرض. ولكن تفاجئت بأكثر من 1500 شخص في الملعب، ولضيق الوقت ما عملت بروفا نهائية قبل العرض. ففعليا العرض الافتتاحي كان البروفا النهائية، والجمهور بقي في تزايد وكنت لحالي لحالي على المسرح، والعرض في الهواء الطلق والجمهور التصق في المسرح، ومع الهوا وعدد الناس والمسرح المتحرك (مش ثابت)، الدمى صارت توقع مرات، وأنا فعليا ما بدي إياها توقع، فكنت ارتجل شيء حول وقوع هذه الشخصية – مثلا انفّش وأصرخ فيها – فكنت في حالة ارتجال دائم. مثلاً، الدان ما قبلت تلزق، فقلت “الدان اللي بجيك منها الريح، اخلعها واستريح”. المشنقة معلقة، فحملت الجندي للشنق بس المشنقة طلعت كتير عالية وأنا قصير، فالجمهور ناولني كرسي وعلقت الجندي
كان عرض فريد وغريب، واستمر لحوالي ثلاث ساعات. الناس ضلت قاعدة وتحضر لتعرف شو آخرتها مع هذا المجنون. الناس ما روحت، ثلاث ساعات لحالي أنا والدمى على خشبة المسرح. كنت أوصل لارهاق شديد وحقيقي وانهار في النهاية. ردة فعل الحضور كانت استثنائية وإيجابية جدا، وكان عندهم استغراب ودهشة ومفاجأة من أول عمل يجسد على خشبة المسرح كمونودراما بشخص واحد من الألف إلى الياء، وطرح تساؤلات كتيرة. بعد مرور كل السنين على عرض العمل، الشباب اللي كانوا صغار في هداك الوقت لليوم بشوفوني وبذكروني بتفاصيل التفاصيل، وكل واحد فيهم بتذكر جانب معين. مدة العرض قصرت مع توالي العروض من حوالي ثلاث ساعات لغاية ساعة ونصف. توالت العروض في مناطق مختلفة. بعد مرور أربع سنين في عام ۱۹۸٤ صرت بدي أعيدها وأطورها، واشتغلت عليها ورممت الدمى وصلحت الديكور وعرضتها في مسرح الحكواتي بعد افتتاح المسرح، عملت أربع عروض في مسرح النزهة الحكواتي. كانت عروض ناجحة جدا ولم تكن فكرة المونودراما منتشرة ابدا، وكانت جديدة تماما على مسرحنا الفلسطيني؛ فراس روس أسست لمدرسة مسرحية جديدة

الحديث والكتابة حول راس روس تطول وتتشعب. يختم الترتير حديثه بالقول
هذه المسرحية صعب أوصفها بشكل دقيق وأعطيها حقها لوصف تفاصيل العرض وتفاصيل رد فعل الناس والكتابة عنها. هذه المسرحية عزيزة وغالية عليّ، ومهمة كثير بالنسبة الي لأنها أجت بلحظة حقيقة جدا، وأنا كنت أحوج ما أكون إني أعملها. ورغم قناعتي وايماني المطلق بالعمل الجماعي، ولكن غياب العناصر الملتصقة بالمسرح والقادرين على حمل المسؤولية والصعوبة، أجبرتني أبحث عن إطار ولون مسرحي جديد. هذه الحالة استمرت على مدار السنين، وهذه هي الحالة اللي اخدتي لفكرة صندوق العجب واللي هو شكل فني متكامل تتداخل فيه أشكال متعددة من الفنون والاشكال الإبداعية
صور من وبوستر أصلي لمسرحية مونودراما راس روس، ۱۹۸۰








شخصيات المسرحية – الجندي، الأب، أبو كرش، الحبيبة، أبو شخة، أبو علي، المرأة الارستقراطية، الطفل (ابنه)