فرقة بلالين وأعمالها المسرحية التسعة
خلال السنوات الخمس (۱۹۷۰ – ۱۹۷٥) التي تبوأت فيها فرقة بلالين دفة القيادة للحركة المسرحية الفلسطينية، عملت على إنتاج وعرض تسعة أعمال مسرحية تعددت وتشعبت في موضوعاتها وقضاياها وأساليبها الفنية والمسرحية. فقد عالجت الفرقة بمسرحياتها عذابات العمل والعمال، وعرّت حال الطبقات الاجتماعية، ونادت للتمسك بالوطن والأرض، ودعت لحرية المرأة، ورفضت كل أشكال القمع والتحكم والسلطوية. واتبعت الفرقة أشكالاّ فنية وإخراجية مختلفة في كل عمل مسرحي من أجل توصيل رسالتها الفنية والتغييرية؛ فاتبعت أشكالاً مسرحية كلاسيكية تقليدية مباشرة وغير مباشرة، كما ابتكرت أشكالاً أخرى نابعة من الحالة الذاتية واعتماداً على الموارد المحدودة المتاحة؛ فالأعمال التسعة تمايزت واختلفت في التصميم والإخراج وشكل العرض، إلاّ أن النهج الجماعي للعمل المسرحي كان دوماّ الرابط المشترك والمحور المركزي مهما تنوعت القضايا أو النصوص أو الشخوص


مسرحية “قطعة حياة” كانت أولى الأعمال المسرحية لفرقة بلالين، وعرضت بتاريخ ۲۲ كانون الثاني ۱۹۷۲ بعد حوالي عامين من العمل على تأسيس الفرقة والبحث والإعداد والتدريب لهذا المسرحية. كأول عمل للفرقة وللتقرب من الجمهور المسرحي الناشئ، قُدمت المسرحية باللهجة المحكية الفلسطينية وعالجت قضايا تمس علاقات القوة في المجتمع والاقطاعية والبرجوازية والصراع الطبقي وضرورة التمرد على الديناميات التي تعزز أساليب السيطرة والتحكم والقمع كما مثلتها شخصية الفتاة حياة. أما من حيث الشكل الفني، فقد لعب الراوي بشخصيته المتواجدة بين الجمهور – لتقريب الناس للمسرح أكثر وأكثر – دوراً محورياً في ربط المشاهد والشخصيات مع بعضها البعض وتقديمها للجمهور بشكل مرئي روائي. التجريب كان سيد الموقف، فكما حاجج أعضاء الفرقة عام ۱۹۷۲ في مقابلتهم مع جريدة الفجر فهم لم يتأثروا بأي مدرسة مسرحية في أعمالهم الفنية، وقد اعتمدوا على التجربة كمصدر للثقافة والدراسة لأن التعايش مع التجربة يتيح فرصة اختبارها واستنتاج الملائم منها


على اليمين: صورة من مسرحية قطعة حياة يظهر فيها إميلعشراوي وسهير عبد الهادي، جريدة الفجر ۲۱ تشرين الأول ۱۹۷۲
على اليسار: صورة لمقالة نشرت في جريدة القدس كتبها عطية أبو رميلة حول مسرحية قطعة حياة، ۹ شباط ۱۹۷۲
مسرحية “العتمة” والتي شكلت – بحسب أعضائها – نقطة تحول في حياة فرقة بلالين، عُرضت في خريف عام ۱۹۷۲وتركت أثراً كبيراً وحظيت باهتمام ملحوظ على الصعيدين الشعبي والنقدي، وكان لموضوعها وإطارها وشكلها الفني مساهمة كبيرة في هذا الإطار، إضافة لاعتمداها المطلق على نهج ومدرسة وأسلوب بلالين في العمل الجماعي من البداية للنهاية. اعتمدت المسرحية (مدتها حوالي ساعة وخمسة وأربعون دقيقة) على التشكيلات والمشاهد المرئية والرقص التعبيري والحركة ولحظات الصمت
أما بخصوص موضوعها فيلخصه الترتير بالتالي: “تبدأ المسرحية بإعلان الفرقة عن بدء المسرحية، وتبدأ بمشهد قصير لشد الجمهور. ولكن فجأة تقطع الكهرباء وتغرق القاعة في العتمة المظلمة. يستاء المخرج ويتوتر ويفقد أعصابه ويصرخ على “ميلاد” مسؤول جهاز الإضاءة ويستهجن انقطاع الكهرباء. أما ميلاد فهو شخصية لا مبالية همه الرئيسي “الست خضرا، قنينة المشروب”، يجيب المخرج ويقول: “خلص قطعت الكهرباء، شو أسوي خلص قطعت. استنى عبل ما تيجي الكهرباء، وهيني مبسوط وشايف الدنيا بالشقلوب”. فجأة تصدر أصوات استهجان من الجمهور من قبيل “رجعوا التذاكر، تعتسونا”، وسرعان ما تخرج أصوات أخرى تعرض مساعدتها في حل المشكلة. كل هذه الأصوات في حقيقة الأمر تكون أصوات الممثلين أنفسهم الجالسين بين الجمهور، ويبدأوا في الصعود تباعاً على الخشبة العتمة للمسرح لتصليح جهاز الإضاءة، والاستمرار في تقديم المسرحية
يكمل الترتير، “في هذه الأثناء تظهر أنماط وأطباع الناس وخلفياتهم: شخصية استعراضية تحب فرد عضلاتها أمام الجمهور لا أكثر، شخصية متلاعبة تلحق بصبية على خشبة المسرح، شخصية رجعية تلحق بصبية ثانية لمنعها من الصعود على خشبة المسرح من باب العيب والحرام وهي الدراسة لهندسة الكهرباء، شخصية رابعة لشخص يحب المسرح والفن ويأخذ موضوع إصلاح جهاز الإضاءة على محمل الجد. يطرح حلولاً عملية ويقترح بأن نكمل عرض المسرحية على ضوء الشموع حتى ينتهي من إصلاح جهاز الإضاءة، ويبدأ بتوزيع الشموع على الجمهور وبعدها ينهمك في تصليح جهاز الإضاءة، تلحقها شخصية أخرى لمثقف ومنظر ثرثار يتفلسف ويحكي في النظريات الجامدة ويحاضر حول الوط والأمبير ومن اخترع الكهرباء وكيف ولماذا، ولكنه لا يملك أي حل أو اقتراح عملي سوى إعاقة وتأخير مثابرة وجدية العامل الذي يعمل بصمت وهدوء. تستمر هذه الحالة حتى تصليح الجهاز بمثابرة العامل. ولكن الثمن عالٍ؛ فقد فَقَدَ العامل حياته في سبيل إصلاح الجهاز وعرض المسرحية ومات مستلقياً على جهاز الإضاءة. وبدلاً من الاحتفاء بعادل العامل، بدأ المزايدون والمنظرون في اللف والحوم حوله كالذباب وادّعاء مساهمتهم البطولية بإعادة الكهرباء وإنهاء العتمة. صمت مريب، يُحمل بعدها العامل عادل على الأكتاف مغادراً المشهد


على اليمين: صورة من مسرحية العتمة يظهر فيها سامح عبوشي وفرانسوا أبو سالم، جريدة القدس ۲۲ تموز ۱۹۷۳
على اليسار: صورة من مسرحية العتمة يظهر فيها عادل الترتير وايميل عشراوي، ۱۹۷۲
نجاح مسرحية العتمة كان حافزاً إضافياً لأعضاء فرقة بلالين للاستمرار والعطاء، فقد عملت الفرقة على إنتاج أربعة أعمال مسرحية ما بين أيلول ۱۹۷۲ وآب ۱۹۷۳ لعرضهم قبيل وخلال شهر المسرح والفلكلور الفلسطيني والذي نظمته فرقة بلالين. فمسرحية “نشرة أحوال الجو” في كازينو نيطسلف (فلسطين معكوسة) كانت عبارة عن ملحمة شعبية كبيرة تتناول مواضيع كبيرة وحساسة وتحكي عن الدين ودور الدين والسلطة وعلاقتهم مع الشعوب ومدى تأثيرهم. بتأليف جماعي، تناولت المسرحية مواضيع سياسية-دينية-اجتماعية كثيرة ومركبّة ومتداخلة. ثلاث شخصيات لساحرين (ساحر ناطور، وساحر فلفول، وساحر بلبول) كان دورهم المتماشي مع السلطات الحاكمة يتمثل بتعييش وتدجين الشعوب في حالة غيبية وفي أجواء طقوسية دائمة. على مدار أكثر من ساعتين وبمشاركة أكثر من ثلاثين ممثلاً وممثلة، عرضت المسرحية على أربع خشبات في نفس المكان (خشبة المسرح الرئيسية، وخشبة في وسط القاعة، وخشبة على الطرف الشمال، وخشبة على مدخل القاعة) وتوزعت كراسي الجمهور بين الخشبات الأربعة لخلق حالة جذب دائمة للحاضرين، فكانت أشبه بالمسرحية السيّارة الجوّالة في داخل القاعة. كان هذا شكلاً جريئاً وجديداً بالمطلق بمساحة كبيرة للارتجال، ومسرح تجريبي آخر كنتيجة لحالة البحث والابتكار الدائم. عُرضت المسرحية لأول مرة في رام الله في شهر المسرح في قاعة بلدية رام الله في آب ۱۹۷۳، وقُدمت أربع مرات على مدار شهر المسرح. لم تأخذ هذه المسرحية حقها من حيث العروض والانتشار؛ إذ أن شكلها الفني كان يقتضي وجود مساحة كبيرة للعرض وموقع عرض بدون كراسي ثابتة


على اليمين: صورة من مسرحية نشرة أحوال الجو يظهر فيها عادل الترتير ومصطفى الكرد، مسرح بلدية رام الله، آب۱۹۷۳
على اليسار: صورة من مسرحية نشرة أحوال الجو، مسرح بلدية رام الله، شهر المسرح، آب۱۹۷۳
أما مسرحية “ثوب الامبراطور” فتمايزت عن سابقاتها باعتمادها ولأول مرحلة في تجارب فرقة بلالين على نص عالمي وإن كانت قد بدأت بمقدمة واقعية من خارج النص الأصلي. من حيث الشكل الفني، قمنا بعرض المسرحية والتدرب عليها في بيت بلالين في القدس (ولاحقاً في شهر المسرح في رام الله في آب ۱۹۷۳)، وكانت المشاهد تقدم في غرف مختلفة من البيت، فكان الجمهور ينتقل من غرفة لأخرى في البيت والذي شكّل شكلاً تجريباً جديداً في الحركة المسرحية الفلسطينية. كانت مسرحية بطبيعتها كوميدية ساخرة وبشخصيات قليلة، وكانت من أمتع الأعمال لأعضاء الفرقة لخفتها وأريحيتها
بدورها، تبنت مسرحية “الكنز” شكلاً مسرحياً فنياً جديداً إذ كانت أول مسرحية غنائية تراثية فلكلورية تدور في أجواء مقهى شعبي وتدمج بين التمثيل والمسرح والرقص والغناء والدبكة الشعبية. كانت المسرحية عبارة عن دعوة للفلسطينيين بعدم الانسلاخ عن أرضهم وإهمالها وهجرها مقابل مغريات المقاولين الإسرائيليين لهم للعمل في الداخل المحتل وفي الشركات والصناعات الإسرائيلية. تميزت هذه المسرحية بالعدد الكبير من المشاركين فيها بحكم طبيعتها، وأنجزت خلال فترة قصيرة وعرضت في المدرسة العمرية في القدس ولاحقاً في شهر المسرح في رام الله في آب ۱۹۷۳ ومن ثم في أمسيات رمضانية


على اليمين: صورة من مسرحية الكنز يظهر فيها عادل الترتير وزكريا شاهين، مسرح المدرسة العمرية، القدس،۱۹۷۳
على اليسار: صورة من مسرحية الكنز، مسرح المدرسة العمرية، القدس،۱۹۷۳
أما مسرحية “شجرة الجوز ويونس الاعرج” والتي عرضت في صيف عام ۱۹۷۳في بستان بيت فرقة بلالين ولاحقاً في شهر المسرح، فقد تناولت عمل شعري للكاتب التقدمي التركي ناظم حكمت ووظفت لوحات تعبيرية وشعرية وموسيقية حية. كان هذا شكلاً فنياً إضافياً يشير إلى درجة التجريب والتجديد المستمرة. كانت مسرحية شعرية قصيرة نسبياً (حوالي ٤٥ دقيقة) وامتدت لساعة ونصف عند إضافة عناصر الدبكة والغناء للعرض، وكانت بجوهرها تحاكي ضمير يونس الأعرج في سرده عن أحلامه وحياته وطموحاته وارتباطه الوثيق بالشجرة كرمزية أخرى للتمسك بالأرض
وفي المسرحية القصيرة “تربايتك عمي” التي عرضت في أواخر شهر شباط عام ۱۹۷٥، عالجت الفرقة قضايا اجتماعية لها علاقة بتربية ونشأة الأطفال وتأثرهم بمن حولهم. كانت مسرحية “عابرة وبسيطة” تخوض في موضوع اجتماعي بحت وتخلو من العمق الفني مقارنة بالأعمال الأخرى لبلالين، ولكنها أنتجت للمشاركة في مهرجان مسرحي بإشراف تجمع العمل والتطوير الفني – لجنة المسرح في القاعة العمرية في القدس. كان التجمع يضم خمسة فرق مسرحية (بلالين، بلا-لين، الكشكول، دبابيس، والمسرح الفلسطيني) وكان يهدف لخلق إطار جامع للعاملين في الحركة المسرحية، ولكن سرعان ما تلاشى
وفي صيف عام۱۹۷٤، أنتجت وعرضت الفرقة مسرحية “تع تخرفك يا صاحبي” في استمرارية للنقاش والجدل حول القضايا العمالية والارتباط والتمسك بالأرض. أما العمل المسرحي الأخير لفرقة بلالين فكان بعنوان “عنتورة ولطوف” في العام ۱۹۷٥ والتي عالجت مفاهيم وعادات اجتماعية واجبة التصحيح من أجل التحرر، إضافة لمعالجة قضايا التباينات ما بين القيادات والناس وتطلعاتهم للحاضر والمستقبل. في هذه الفترة بدأت تظهر عوامل الضعف والتشرذم في الفرقة مدللة على اقتراب نهاية تجربة بلالين ولكن ليس نهاية لفكرتها ولنهجها. ومع وقف العمل على المسرحية العاشرة لفرقة بلالين بعنوان “الثعلب والعنب” في العام ۱۹۷٥، “راح الثعلب، وراح العنب، ووقتها تبعثرت بلالين” كما يقول الترتير، وبدأ البحث عن جسم جديد لتشكيل أول فرقة مسرحية متفرغة ومحترفة للعمل المسرحي منطلقين ومستفيدين من تجربةبلالين، لتولد فرقة مسرح صندوق العجب في نهاية عام۱۹۷٥



على اليمين: صورة من مسرحية تع تخرفك يا صاحبي يظهر فيها عادل الترتير ومصطفى الكرد، المدرسة العمرية، القدس، ۱۹۷٤
في الوسط: صورة من مسرحية عنتورة ولطوف، مسرح جمعية الشبان المسيحية، القدس،۱۹۷٥
على اليسار: الصفحة الأصلية لمقالة لعادل سمارة في جريدة الفجر، مسرحية تع تخرفك يا صاحبي وفرقة بلالين، ۳۰ آب، ۱۹۷٤



على اليمين: صورة لبوستر شهر المسرح، آب۱۹۷۳
في الوسط: صورة لتذكرة أصلية لمسرحية عنتورة ولطوف من مسرحية عنتورة ولطوف،۱۹۷٥
على اليسار: صورة لتذكرة أصلية لمسرحية العتمة، ۱۹۷۲



صور لتذاكر أصلية لمسرحيات قطعة حياة والعتمة في شهر المسرح والفلكلور الفلسطيني، آب ۱۹۷۳